أسطول الظل.. كيف يراوغ العقوبات الأميركية؟

أعلنت منظمة استخبارات حرس الثورة في إيران وضع مجموعة من الإجراءات الأمنية والاستخباراتية ضمن جدول أعمالها، بالاعتماد على قدراتها التقنية والبشرية وشبكة المعلومات المتاحة لديها، في ظل استمرار حالة الاستنفار الأمني والعسكري في البلاد.
وقالت المنظمة، في بيان، إن أبرز الإجراءات تشمل الحفاظ على مستوى مرتفع من الرصد والجاهزية بشكل دائم، إلى جانب تعزيز القدرات العملياتية والعسكرية، بما يسمح، وفق تعبيرها، بتوجيه «ضربة تغيّر المعادلة» عند الضرورة.
وأضافت أن خطتها تتضمن التعامل مع أي تحركات قد تؤثر في الهدوء الداخلي أو التماسك المجتمعي، فضلاً عن تعزيز ما وصفته بـ«الأمن النفسي» والحفاظ على الوحدة الداخلية.
وفي الجانب الاستخباراتي، أكدت المنظمة أنها ستعمل على إحباط عمليات التجسس والتحركات التي تقول إن أجهزة استخبارات أجنبية تحاول تنفيذها داخل إيران وعلى امتداد الحدود، مع تكثيف الرصد والمتابعة في المناطق الحدودية.
كما أعلنت استمرار حالة اليقظة في مواجهة ما وصفته بـ«الدواعش الجدد»، إلى جانب شبكات الجماعات المسلحة والعناصر المرتبطة بها أو المتعاونة معها.
وجاء الإعلان ضمن بيان أوسع تناول تقييم المنظمة للتطورات التي شهدتها إيران خلال الأشهر الماضية، إذ قالت إن الجهات المناوئة لطهران تعمل، وفق تقديراتها، على تطوير أساليبها والاعتماد على أدوات تشمل الضغط الاقتصادي والحرب النفسية ومحاولات استغلال الأزمات الداخلية.
وادعت المنظمة أن معلكشفت الحكومة الإريترية، الجمعة، أن ناقلة النفط «سيبو 1»، التي تظهر على نطاق واسع وهي ترفع علم البلاد في مواقع تتبع السفن، ليست مسجلة لديها، في واقعة تسلط الضوء على أساليب تستخدمها شبكات «أسطول الظل» لنقل النفط الإيراني والالتفاف على العقوبات الأميركية.
وكانت الناقلة قد تعرضت للاختطاف قبالة سواحل اليمن الأسبوع الماضي، ويُعتقد أن خاطفيها غيّروا مسارها باتجاه الصومال. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عليها عقوبات في كانون الأول الماضي، باعتبارها جزءاً من شبكة متهمة بنقل المنتجات النفطية الإيرانية وتجاوز القيود الأميركية.
وأظهرت قاعدة بيانات المنظمة البحرية الدولية أن حالة علم الناقلة مصنفة «إريتريا ـ غير صحيح»، ما يعني أن تسجيلها تحت العلم الإريتري غير معترف بصحته.
وتكشف الواقعة إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها تعقيد عملية تحديد هوية السفن والجهات المالكة لها، عبر تغيير بيانات التسجيل أو استخدام أعلام غير معترف بها، بما يصعّب تتبع الشحنات والجهات المرتبطة بها.
شبكة بحرية معقدة
على مدى سنوات، طورت إيران شبكة بحرية وتجارية تساعدها على استمرار صادراتها النفطية رغم العقوبات الدولية. ويشكل «أسطول الظل» أحد أبرز مكونات هذه الشبكة، إذ يضم ناقلات وشركات ووسطاء يعتمدون أساليب متعددة لإخفاء هوية السفن ومصدر الشحنات ومساراتها.
ولا تعمل هذه المنظومة عبر ناقلات ثابتة أو جهة واحدة، بل تتغير ملكية السفن وإدارتها وبيانات تسجيلها مع تشديد العقوبات، فيما تتوزع الأدوار بين المالكين والمشغلين والوسطاء وشركات الخدمات.
وتستهدف العقوبات الأميركية في كثير من الحالات السفن والشركات المالكة أو المشغلة لها والوسطاء المرتبطين بها، في محاولة للوصول إلى الشبكة التجارية والمالية التي تقف خلف عمليات الشحن، بدلاً من التركيز على الناقلة وحدها.
إخفاء حركة السفن
من أبرز الأساليب المستخدمة تعطيل بث بيانات نظام التعريف الآلي للسفن أو التلاعب بها. ويتيح النظام تتبع موقع السفينة وحركتها وهويتها، بينما تؤدي الانقطاعات في البث إلى خلق فجوات في سجل الرحلة، ما يصعّب تحديد مسار السفينة ومصدر شحنتها.
ولا يعني ظهور السفينة مجدداً على أنظمة التتبع أن مسارها أصبح واضحاً، إذ يمكن أن تعود إلى الظهور في موقع مختلف بعد فترة من الانقطاع، ما يجعل إعادة بناء رحلتها والتحقق من عمليات التحميل والتفريغ أكثر صعوبة.
وتستخدم الشبكات المرتبطة بتجارة النفط الإيراني أيضاً عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في البحر، بدلاً من تسليمها مباشرة في الموانئ. ويسهم ذلك في إخفاء مصدر النفط وتعقيد عملية ربط الناقلة الجديدة بمنشأ الشحنة.
كما تشمل أساليب الالتفاف استخدام شركات واجهة وكيانات مسجلة في دول متعددة لإخفاء المستفيدين الحقيقيين من عمليات البيع، إلى جانب ترتيبات تجارية ووثائق تهدف إلى تغيير الصورة الظاهرة عن مصدر النفط.
تغيير هوية الشحنات
لا تقتصر محاولات التهرب من العقوبات على الناقلات، بل تمتد إلى النفط نفسه. فقد وثقت السلطات الأميركية حالات جرى فيها خلط النفط الإيراني أو تقديمه على أنه صادر من دولة أخرى، بهدف إخفاء منشأ الشحنة وتجنب القيود المفروضة على الصادرات الإيرانية.
وفي تموز 2025، أعلنت واشنطن استهداف شبكة قالت إنها حققت أرباحاً من تهريب النفط الإيراني بعد إخفائه أو مزجه بالنفط العراقي، في مثال على انتقال أساليب التهرب من هوية السفينة إلى هوية الشحنة نفسها.
وفي كانون الأول 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على أكثر من 180 سفينة منذ عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة، ووصفتها بأنها جزء من الأسطول المستخدم لنقل النفط والمنتجات النفطية الإيرانية إلى مشترين في آسيا.
وواصلت واشنطن خلال 2026 فرض عقوبات على ناقلات وشركات ووسطاء مرتبطين بتجارة النفط الإيرانية، في محاولة لتعطيل سلسلة تمتد من الإنتاج والنقل إلى التمويل والوصول إلى المشترين.
الصين في قلب المسار
تعد الصين الوجهة الرئيسية للجزء الأكبر من النفط الإيراني الذي يصل إلى الأسواق الآسيوية عبر هذه الشبكة، فيما يعتمد جزء من عمليات النقل على ناقلات قديمة مرتبطة بما يعرف بـ«أسطول الظل».
وفرضت الولايات المتحدة خلال العام الحالي عقوبات على شركات وأفراد في هونغ كونغ ودول آسيوية أخرى، متهمة إياهم بالمساعدة في شحن النفط الإيراني إلى الصين، ما يعكس اتساع الشبكة وتوزع أدوارها بين دول وجهات متعددة.
وتواجه واشنطن تحدياً في تفكيك هذه المنظومة بسبب قدرتها على استبدال السفن والشركات والوسطاء بسرعة. فإدراج ناقلة على قوائم العقوبات لا يعني بالضرورة توقف الشبكة التي تعمل خلفها، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق العقوبات ليشمل المالكين والمشغلين والوسطاء وشركات الخدمات والشبكات المالية.
وتظهر واقعة «سيبو 1» أن تعقب النفط الإيراني لا يتوقف عند معرفة اسم الناقلة أو وجهتها، بل يتطلب تتبع سلسلة متشابكة تبدأ بهوية السفينة وعلمها، وتمر بمسارها والشحنة التي تحملها، وصولاً إلى الشركات والجهات المستفيدة منها.
وفي هذه المساحة المعقدة يتحرك «أسطول الظل» عبر هويات ومسارات وكيانات قابلة للتغيير، في محاولة للحفاظ على تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق رغم العقوبات والقيود الدولية.وماتها تشير إلى وجود تنسيق بين أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية وبريطانية، إلى جانب أطراف إيرانية معارضة، بهدف زيادة الضغط على إيران من الداخل. وتبقى هذه الادعاءات الواردة في بيان المنظمة من دون تأكيد مستقل.
وتأتي الإجراءات المعلنة بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري والأمني بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما رافقه من تصعيد وقيود على الملاحة عبر مضيق هرمز، فضلاً عن ارتفاع مستوى الاستنفار داخل إيران وعلى حدودها.
وتشير الخطة إلى تركيز استخبارات حرس الثورة على أربعة محاور رئيسية، تشمل رفع مستوى الجاهزية والرصد العسكري، وتعزيز الأمن الداخلي، وإحباط عمليات التجسس وتأمين الحدود، ومتابعة شبكات الجماعات المسلحة والعناصر المرتبطة بها.




